أصبح العالم قرية صغيرة ... و حانة كبيرة أيضاً
Share
الله سلام ومحب للسلام، وحقيقية الوجود الإلهية في الأصل، تؤكد أن لمواطني الأرض، سلام يُحيهم ويحدب على طفولة قلوبهم ! فأينما حللت أنت فتمَّ وجه الله. لكن، اسأل بإزاء ذلك : أأشعر فعلاً بهذا السلام؟ وقبل الإجابة، أُسارع بأن أتذكر أني مرتهن مثلي مثل سائر البشر، اليوم، إلى "أسطورة" عصر ما بعد الحداثة الذي نعيش فيه؛ أو، والقول الأصح الذي لا نعيش فيه بل نستهلكه إستهلاكاً وهو يقضم شبابنا ويعبث بصفاء عقولنا وصلاح ثوابنا. حيث بدت العولمة إلهة العالم، ومفراداتها المختلفة(الإنترنت ووسائل الإتصالات) تروج لهذا الدين الجديد حيث لم يبقى سلام ولا سالمون بل هناك "من يحزنون" على الدوام، وهناك من يسددون بالشقاء ثمن أحلامهم بعد الاستسلام.
وبالمقابل هناك "من لا خوف عليهم" بل يستحسن الحذر والخوف منهم ذئاب المال والأعمال والاعلام والإعلان المتحالفون مع أنظمتهم وأنظمتنا الحامية لهم ولمصالحهم حول العالم. يقولون: "أصبح العالم قرية صغيرة"، نعم هذا صحيح. لكن ما هو أصح قوله: أن العالم أصبح حانة كبيرة أيضاً تملكها وتديرها غانية تظهر بمظاهر شتى مثيرة في "قريتنا الكونية"، حيث خلعت قريتي ثوب الريف وباتت أسيرة لهذا الإله الجديد الثقيل، الواهم بمدنيته الزائف بسلامه. قريتي تفتقد سلام الله، وسلام الله الذي نتحدث عنه، لا نقصد به، فقط، إشاعة الأمن وتوقف الإرهاب ومنع الحروب وتوقيع معاهدات عدم إعتداء بين المتخاصمين وما أكثرهم دولاً وبشراً. السلام المقصود والمنشود، هو الشعور بالآمان الذاتي أي تلك "السكينة" التي تحدث عنها القرآن الكريم، وهو الإستقرار الإجتماعي والنمو المجتمعي للفضيلة وإنبساطها في قيم الناس لتؤسس للدولة العادلة الفاضلة، لا كما يحدث الآن حيث تتحرر القيم من كونها قيماً وتتحلل. وتمسي العادات المستحدثة "قيماً" مستنسخة بديلة بمجرد ضمور فعل مقاومتنا لها مع مرور الزمن.
أخي مواطن قريتي الأرض، قد لا يستسيغك تحليلي هذا، وقد تعتبره "مانيفستو أخلاقي"، لكن قبل أن تصب جام "لا مبالاتك"، دعني أوضح بأني لستُ على خلاف مع العولمة وأخواتها، بدليل استخدامي للشبكة وجعلها آداة تواصل بيني وبينك. غير أنك مسؤول تجاه نفسك على الأقل بوصفك انسانا مفكرا حرا في إيجاد مسوغات لفهم ما وصلنا إليه من أحوال الفوضى وإنعدام المعايير الناظمة للعلاقات حول العالم، وإنهيار الأنظمة الفكرية المؤسَس عليها حديثاً في السياسة والإقتصاد والمال، ناهيك عن استفحال التلوث وفشل أسياد الصناعة وأصحاب القرار حول العالم في إطلاق النار على روؤسهم في قمة كوبنهاغن للمناخ.
أين هو السلام، يا أخي؟ ولن يكون السلام، برأيي على أقل تقدير، في الردة والعودة إلى الأصولية شرقا ً وغرباً. لا و ليس بهذا يكون الحل، علماً أن الإنسان مفطور على هذا الحنين إلى ما هو قابع في قعر ذكريات الجماعة من العيش ببساطة مؤتلِفَة مع الطبيعة، والتصرف بإنسجام معها لجهة أخلاقيات السعادة، ولناحية المأكل والمشرب والطموح والأهداف. لكن، ما أدراك أن يقول بما نقول به ذلك الذي يقبع في الفوضى وينظمها الأن ونشكو منه أنت وأنا، وقد يشاركك طموحك في الحنين إلى إستعادة ماض جميل، ويختلف معك لجهة المقصد من عيشه البساطة ربما ليعبث بحريته أكثر ويكون غير مسوؤل. بأي حال، أخي مواطن قريتي الأرض، سلام الله منبسط في الوجود وأعمالنا وأفكارنا تجعلنا نذعر منه ولا نراه. أو لا نبحث عنه حتى.
حسان زين الدين ـ لبنان
hassanzdeen@hotmail.com
22/1/2010
|