الجوائز لن تمنح بعد اليوم
Share
على سبيل التقديم: الجوائز تمنح دوما، تستجدى أحيانا، و تطلب أخيرا ففى خبر غير عابر: لفت انتباهى خبر يقول أن أكثر من ١٥٠٠٠ من أحباء و مشجعى ملك البوب الراحل مايكل جاكسون يطلبون له جائزة نوبل. ثم أعدت قراءة الخبر فى الجارديان و على مواقع عدة لأتيقن من الخبر ثم مرات للتأكد من الرقم. دعك من الرقم الآن. ثم أعدت القراءة لأتحقق أى نوبل يريدونها؟ هل تناسبه الأداب و الفنون؟ لكنها كانت السلام.
ثم المفاجأة الثانية أن الوثيقة كانت منذ سنوات. و ذهب المشجعون للانترنت ليحملوا الناس على التوقيع على الوثيقة. و ابتدأ الموضوع من مشجعة من النرويج (أولا هونيستاد) فى أبريل ٢٠٠٧. و ازداد النشطاء بعد وفاته فى الخامس و العشرين من يونيه ٢٠٠٩. بل بعثوا بطلب رسمى للجنة جائزة نوبل. و أوردوا فيها: لقد كانت رسالة جاكسون للبشرية دائما متجذرة بالرحمة و الطيبة. و قد نجح فى أن يكرس حياته لصالح البشرية متجاوزا الحدود السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية. لقد رسخ جاكسون رسالة إيجابية لوحدة الكون و الشفاء و الحب.
و يورد المقال أصل الموضوع: للأسف فإن جائزة نوبل لا تحدد من قبل اللجنة السويدية و لا الطلب الشعبى. و فى العام ٢٠٠٦ ، أرسلوا لشخصيات عالمية مثل كوفى عنان و جيمى كارتر و نيلسون ماندلا لتزكيته و ترشيحه بناءا على جهود جاكسون فى العمل الخيرى. و رفض الترشيح إلا أنهم تلقوا ردا لطيفا من السيد عنان و الأمم المتحدة. فقط لأنه ميت: و الآن يحاولون ثانية لكنهم يعرفون أنه صار غير مؤهل للترشح للجائزة حتى لو حاولوا إعادة حساب المئات من أعماله الخيرية و حسناته و تأثيره الفعال على البشرية. فقط لأنه ميت. فهل يحرم من التكريم؟ و نترككهم يحاولون و نقف مندهشين. و أنا لاأورد هذا لنتناقش فى كونه مغنى أو شاذ الأطوار. لكن أورد هذا بسبب عناصر الدهشة فى الخبر الذى يجب ألا يمر علينا بلا وقفة. و الدهشة تشمل أولا المفارقة بيينا و بينهم. نعم نحن العرب و هم الخواجات، الذين نتعلم من صوابهم و خطئهم. كم من الكبار المحترمين حقا المؤثرين حقا عجزنا عن تكريمهم فى حياتهم و بعد موتهم.
و لا أقول أن الأمر ليس بيدنا فهذه الآلاف من المحبين و المشجعين " الخواجات- لشخصه و لفعله الخيرى قاموا منذ ٤ سنوات بهذه المحاولات و ما زالوا يحاولون. فماذا قدمنا نحن إلى كل علمائنا الذين تأثرنا بهم عيانا أو تعلمنا منهم أو استفدنا من خبرتهم على مر العقود. إن عملتم بقول: إن كل نبى فى قومه غير مكرم. فاكرموهم الآن بعد موتهم. إننى اسمى كل أديب عربى تعلمت من كتبه لنوبل للأداب فى أى عصر حيا أو ميتا. اعطيكم مثلا لا حصرا. اسمى غادة السمان، و اسمى حنا مينه، و اسمى نجيب الكيلانى، و اسمى طه حسين. فأربعتهم يختلف فى الأدب و التفكير و المنهج، لكنهم جميعا يتفقون فى أنهم مبدعون و مؤثرون. يتفقون فى أنهم أصحاب فكر اخلصوا له و اخلصوا لنا. و يتفقون فى أنهم غيروا واجهة و جوهر الأدب فى العصر الحديث. و أنا شخصيا اتفق و اختلف معهم.
منهم من توفاه الله و هما المصريان (طه حسين عميد الأدب العربى و نجيب الكيلانى منظر الأدب الإسلامى الحديث بلفظ نجيب محفوظ). و اثنان سوريان ما زالا حيين يرزقان (حنا مينه و غادة السمان). و لن يسخر منا أحد من الخواجات و ها نحن نقلدهم فى إعادة الحق لأصحابه. أليس الحق أحق أن يتبع. لا عجب إذا رشحت السيدة أبلة فضيلة أو السيدة آمال فهمى لجائزة مصرية شعبية مثلا لمجمل تأثيرهم على عقولنا و عقول ابنائنا و محاولاتهم التغيير بأبسط الطرق. و يتفق معى الكثير فى تزكية بعض علماء الدين الأفاضل مثل الشيخ الغزالى و القرضاوى و د سليم العوا و غيرهم. حتى لو اختلفنا معهم . لكنهم اتفقوا فى أمانتهم و أنهم لا يخربون و شهاداتهم العلمية واضحة و معروفة لنا. و هكذا دواليك. و ربما نخترع جائزة أخرى مقابلة نرشح فيها اسوأ شخص أثر سلبا على عقول الناس و سلوك البشر و لم يكن أمينا سواء كان مخرجا هابطا أو كاتبا شاذا أو مغنيا ماجنا. ساسميها جوائز بطعم الفشل. فهم يختارون أسوأ ممثلة و اسوأ ثوب و اسوأ ماكياج و تسريحة شعر و أسوأ لاعب كرة و اسوأ حارس مرمى، بلا خجل. لماذا لا نقول اسوأ مفكر و اسوأ فنان و اسوأ مخرج على مجمل أعمالهم؟ و لدفع الحرج فإنهم سيزكون أنفسهم قبل أن يزكيهم أحد، بمجرد معرفتهم بمبلغ الجائزة مثلا بلا خجل لأنهم قوم يلهثون.
إنهم قوم اتخذوا شاعرهم: أرجوك امنحنى هذه الجائزة (مش باهزر...بس اضحكوا). أقول هذا الخبر لأنه يجب أن يشارك الناس فى اختيار الفائز. فمقيمو الكتب فى بوكر ليسوا بالقطع مشتغلين بالأدب لكنهم شخصيات مثقفة حيادية عالية القدرة على التذوق و التفريق بين الردئ و الجيد. فى حين أن نوبل جائزة لمجمل أعمال الكاتب أو لأفعال الشخص و تأثيرها على الناس. تأثيرك الايجابى سيظهر فى كتاب واحد فتفوز فى بوكر أو عدة كتب أو أفعال فتفوز بنوبل. لكن ليس دائما تسير الرياح بما تشتهى السفن. أقول هذا الخبر لاتذكر كم مليون تصرف على المشاركة فى المسابقات الهزلية العربية لتزكية مرشح يغنى أو يرقص بناءا على قبلية أو عنصرية حديثة بين الدول العربية زكتها المسابقات فى الغناء و الشعر و الرقص. إن كان الناس بهذا الوعى لأهمية صوتهم، و بهذا البذخ لإرسال كل هذه الرسائل المتكررة، فلماذا لا نستخدم هذه الميزة فى الترشيحات الأخرى؟ و لن يختلف الجمهور. فليس بالضرورة أن متابعى الهزل لا يتابعون الجد و العكس بالعكس. و نقرة على زر حاسب لن تكلفك كثيرا لترشيح شخص. أقول هذا الخبر لأن رقم المرشحين كبير و فى ازدياد. و لا أقول أنه من تفاهتهم. لأنهم قوم يجتمعون و يقررون ماذا يفعلون. و يحسنون عرض طلبهم بتهذب و صدق. و أنت حر تشارك أو لا تشارك. و لا يحتاجون لزيادة الرقم إلى مئات الآلاف بتصنع أو زيف فهذه ليست مباراة للحصول على منصب أو مال فى جيوبهم. و هم لا يقيمون فنه و لا جائزة لاغانيه فأرقام مبيعاته تتحدث ارتفاعا و هبوطا على حسب نجاحه و فشله. أقول هذا الخبر لأنه لا يتفق اثنان على أفعال و شخصيات المشاهير. لكن يتفقان على المعنى السامى فيما فعل من خير. فقط هو العمل الخيرى الذى انتقوه هؤلاء المشجعون -بغض النظر عن سيئاته- و طالبوا بترشيحه. فالقوم اقتنعوا بما فعله الرجل و لكل فيما يعشق مذاهب.
و يفعلون الشئ نفسه مع شخصيات أخرى غير فنية. أقول لكم مات مايكل جاكسون و لم يحصل على نوبل و لن يحصل عليها. و من يدرى فربما تجد أمور تغير من لوائح نوبل لأجله. وربما تأتينا النتائج النهائية لأسباب وفاته و التحقيقات لتقلب لنا الموازين معه أو ضده. و إن فشل مشجعو السيد جاكسون فى ترشيحه لنوبل أو لجوائز رسمية عالمية او محلية أخرى، فما عساهم فاعلون؟ اعتقد أنهم سيقيمون جوائز شعبية موازية. (لماذا لا نقوم نحن بالفكرة بتسمية جوائز شعبية موازية كل عام؟ الشعب يرشح و يختار. و هذه ليست كاستفتاء أحسن فنان أو مسلسل فى رمضان طبعا. و هذه لا تقلل من قدر و مصداقية الجوائز الرسمية بل تحترمها. لكنها تزيد المنافسة في من أصدق. ربما على أن انهض لجائزة يوما ما فى الطب أو الأدب.) فلم تعد الياقات البيضاء و لا المصالح المغرضة هى التى تختار المكرمين لتنعم عليهم بالجائزة. هى ليست ألقابا تشترى. مما يقلل من قيمة الفائز الذى يظهر كالمستجدى اللاهث و يبدل قيمه و عقله ليحصل على منصب عالمى أو تكريم أو جائزة يمنحها من هم على شاكلته. إنها العلاقة بين المانح و المستجدى عندما تفقد النزاهة. اعط و خذ. من يدفع يرفع. أما إن وجدت النزاهة فلن نتعب أنفسنا طبعا بطلبات و توقيعات و غيره لأننا نثق فى اللجان المحترمة.
الآن صار لكل مفضول القدرة على رد الجميل لمن تفضل عليه و على البشرية جمعاء حتى لو مات. يرد الجميل بأن يبدى رأيه حتى فى أرقى الجوائز. بل أحيانا له الحق فى طلب سحب الجائزة ممن لا يستحقها. إن لفظ منحت لجنة كذا الجائزة لفلان تشير لرفعة قدر و نزاهة اللجنة لهذا فهى الفاعل. بينما حصل فلان على الجائزة تشير لمجهوده الذى استحق عليه الجائزة لهذا فهو الفاعل. لكن جد فى الأمور أن المحبين و المشجعون و من استفادوا من أعمال الشخص سيلعبون دورا وسطا و يلفتون نظر اللجنة إلي من يرونه يستحقها إذا ما اغمضت عينيها عن قصد أو غير قصد. الجوائز لن تمنح بعد اليوم. فقط قل لى: من ترشح فى الآداب و العلوم و السلام؟
و لا تنس أنك سترشح اثنين: واحدا بنى و اعطى و الآخر هدم وخرب. قد يكون من هدم و خرب منح جائزة رسمية كبيرة يوما ما. لكنه لا يعلم أنها جوائز بطعم الفشل. فليستمتع بالمرارة.
|