ملحمة البطولة الإنسانية في المقاومة للشعب السوفيتي
" كان للحرب ضد الفاشية الألمانية اثر عميق في التطوير الروحي لبلادنا , كما كانت لها الأثر ذاته تقريبا في كل الأقطار الأوربية وخاصة انكلترا وفرنسا وايطاليا , وقد تجلى هذا الأثر بأوضح صورة في مقاومة الجيش الأحمر الفاشست خلال الحرب العالمية الثانية بوجه عام , فلقد أظهرت الحرب الشعب السوفيتي كمقاتل تحت لواء مثل اعلي , مثل أنساني , يتجسد في تطوير إمكانيات الإنسان , ولقد أصاب " ألكسي تولستوي " كبد الحقيقة حينما قال بان الحرب ضد ألمانيا الهتلرية لم تكن حربا بين المدرعات بل حربا بين قيم أخلاقية , وبكلمة أخرى أن الحرب لم تقذف بالمقاومة السوفيتية إلى الخنادق ( واعني بهذا أنها لم تتحول إلى مؤسسة دعاية للأهداف عسكرية ) بل أخذت بيده كي يبرز وعيا للقيم الأخلاقية ولإنسانية جديدة " . ك. زيلنسكي
بداية لاشك أن المواقف والذكريات قدرة على التصوير للمشاعر الإنسانية في الأوقات العصيبة وخاصة خلال الحروب ولذلك تفاعل النفس مع أحداث الحرب تفاعلا ديناميكيا حيا. وإذا كان التحرر منذ ثورة أكتوبر قد تناول الموضوعات الثورية فانه تحول إبان الحرب وأصبح تحطيم الغزو الفاشي وتحرير الوطن وبناء الاشتراكية من الموضوعات الرئيسية في فهم وفكر السوفيت خلال الحرب المرير التي عانى منها الشعب ماعاناه من القتل والتشرد والدمار , لم يكتب الكتاب من أبراجهم وإنما نزلوا لأنفسهم إلى ساحات القتال مع الجنود المناضلين كي يسيطروا ويسطروا ملحمة البطولة الإنسانية بدمائهم ومقاومتهم , وهنا ليس المهم أن نسال عن مدى مساهمة السوفيت في الحرب فاهم من ذلك هو موقفهم منها , إن موقف التحرير تجسد بشكل صادق ومباشر في بطولاتهم التي سطورها حتى استشهد الكثير منهم في صميم المعارك الضارية أمثال " بآفل كوكان ونيكولاي ماريوروف وميخائيل كولجيتسكي ونيكولاي اوترادا وغيرهم الكثر الكثير ... " كانت الحرب الوطنية العظمى بالنسبة للشعب السوفيتي أملا بالتحرير المعنوي والجسدي في أن واحد فقد حوصرت البلاد من قبل الفاشست كما رزحت منذ زمن طويل تحت أقدام نظام القيصر الجائر , إذ أن الحرب فجرت صراع الإنسان مع قدرة ولم يكن للخلاص أي طريق سوى الحرب , آنذاك لم ينفصل المقاتل عن الظروف الموضوعية والذاتية المحيطة به , لقد أصبحت مهمة المقاوم هي النضال والكتابات لذلك يكتسب هذا المقاوم أهمية خاصة لأنه يجسد أبعاد البطولة من منظورة الشخصي والخاص والتي هي أبعاد حقيقية على الأرض والتي من اجلها يناضل لتحريرها , فأصبح ذلك المقاوم بمقاومته يجسد تجسيدا حيا ومكثفا لهوية الإنسان الوطني والإنسان بإمالة وطموحاته عبر الحرب , إن صورة الإنسان و الأرض هما سمتان من سمات الرؤيا الثورية في المقاومة السوفيتية لذلك كانت تكتب القصائد والأشعار ممزوجة بلحم ودم المقاتلين وكان صوت الحرية يصل عبر هدير الطائرات وأصوات القنابل والمدافع ولهيب النيران والموت , حيث نرى الشاعرة " فيرا انتريف " تعبر عن بطولة الشعب من خلال وصف الحياة وهي ترسم للحرب صورا تراجيدية وبطولية في نفس الوقت كما تؤكد من خلال شعرها بان الحرب فرضت إلا أن المقاتلين السوفيت جاءوا إلى الحرب في سبيل الإنسانية :
إننا إنسانيون ,
مئات وأفواج منا,
مسحوا الظلام عنا ,
حالما شعروا بأننا هائلون ,
وقد أصبحنا قوة ,
لان مجد الشعب يرافقنا مستميتا ,
لا نابه الظلام ,
ليس مهما إلا نرى حتى ألان,
وجه النصر وملامحه ,
إن شعاع تاجه الذهبي ,
يرتفع ألان إلى أعالي السماء.
صراحة استمدت جميع تجاربي الشخصية والفنية من تجربة الشعب السوفيتي فالمآثر والبطولات والتضحية كانت عندي أعلى المبادئ الأخلاقية في حياتي إذ إنني أركز بالدرجة الأولى على تفجير التكوينات الروحية والصفات الأخلاقية لنفسي وأحاول جاهدا وصفها لجندي الثورة الفلسطينية الذي يتحمل العبء الرئيسي في قضية الدفاع عن الوطن , لم تقتصر الثورة الفلسطينية على الجنود والرجال فحسب بل شملت حتى النساء والفتيات حيث إنها قضية انتصار الشعب باكملة , واذكر هنا قصيدة للشاعرة " يوليا درونينا " في قصيدها " الزرع غير المحصود " عان 1943حيث تصور لنا الملتهبة مه نيران الحرب فتقول :
الزرع الذي لم يحصد بعد .. يتموج ,
يدوسه المقاتلون بأقدامهم ,
نحن الفتيات نسير على نفس الطريق ,
مثلما الفتيان,
لا .. لا تحترق تلك الأكواخ ,
صباي يتحول أيضا إلى رماد,
فالي الحرب تذهب الفتيات ,
هذه الأيام مثلما الفتيان,
قصيدة فعلا رائعة نجد صورة الحقول والقرى المحترقة , والزرع المحترق الذي يمثل رمزا لكدح الإنسان ومعاناته , لذا يهب الجميع للدفاع عن وطنهم , كانت الحرب عبارة عن جسر متماسك بين المؤخرة والجبهة , لم يكن القتال ينفصل عن العمل , وإنما ارتبط به ارتباطا وثيقا كما يقول " كوجيفنيكوف " :
" إن بطولة الجنود لا تنفصل عن بطولة العمل ومهما كانت نجاحات أدبنا في تصوير المآثر الحربية فإننا لا نستطيع إلا أن نعترف بان وحدة الجبهة والمؤخرة هي المحتوى الذي لا يتجرأ للمآثر الشعبية العامة " في الحقيقة لم يكن مفهوم البطولة في السوفيت يوما ما مفهوما فرديا بل أصبحت البطولة بطولة شعب باكملة , لقد جسدت المقاومة البطولات الجماعية من اجل تغير الإنسان والعالم , واذكر هنا في إحدى قصائد " ايليا اهرنبورغ " تصور لما بطولة الجندي السوفيتي واصرارة على الصمود والتضحية حيث قالت :
ذات يوم في الشجيرات العطرة ,
حيث يرغب الإنسان أن يبقى حيا,
رأيت جنديا يشرف على الموت ,
واصابعة لا تزال تقبض على السلك ,
عيناه مازالتا تحملقان بنظرات قلقة ,
كأنما يخاف لو تأخر موته,
وبتسال بشوق فيما لو تم تصليح الخط.
في النهاية : الموت بالنسبة للجندي الفلسطيني هو انتصار علية , لقد أدرك مقاتلونا في السابق بوعي تام معنى البطولة والتضحية ولذلك جاءت بطولتهم منذ اندلاع الثورة صادقة ومعبرة ... انتهى .
سلامتكم..
|